|
الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, أما بعد:
فبينا أنا أتصفَّح بعض المنتديات اللاعلميَّة, وأتجول بين الشبكات العنكبوتيَّة(1), فاجأني ما رأيت في أحد هذه المنتديات التي تنتحل اسماً ليس لها تدليساً, وتُلبِّس على زوّارها وقرّائها تلبيساً, والتي يصدق عليها بحق اسم منتديات (الضرار), لكثرة ما ألحظها -ويلحظها غيري- تتلمس للسلفيين العِثار, وتثير بين المؤمنين الأُوار, إذ وقفت فيها على مقالٍ بعنوان: (ما حكم أكل الضبع؟!) لبعض رواد هذه المنتديات من الجهلة الأغمار, والناشئة الصغار(2), الذين تزبّبوا قبل أن يتحصرموا, وطاروا ولمّا يريِّشوا, وانشغلوا بتتبع العثرات والسقطات والفلتات, لبعض أهل العلم الثِّقات(3), وتصدَّروا للكذب والدَّسِّ والإِتيان بالبوائق, وتسويد الصُّحف والطُّروس وتشويه الحقائق, وانبروا لنهش أعراض العلماء(4), وقذف واتهام الأبرياء, بشتى التهم المظلمة الحوالك, والقدح فيهم لا همَّ لهم غير ذلك(5), فتعجَّبت أشدَّ العجب من حال أولئك القوم(6), إذ إنهم لا يرعوون عن أكل لحوم العلماء وطلبة العلم بالباطل ليل نهار, دون خوف ولا وجل من العزيز الجبار, يكيلون لهم الألقاب والتهم, ويفرون في أعراضهم صباح مساء, وينهشونها نهش الضباع الجياع(7), ومنتدياتهم خير شاهد على هم فيه من ضَياع؛ فهي تنضح بسب المشايخ والعلماء السلفيين الخلَّص(8), من الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الحديث والذب عن سنة النبي- صلى الله عليه وسلم-, ونبزهم بأقبح الألقاب وأفظعها, ووصفهم بأقذع الأوصاف وأشنعها(9), وتراهم مع ذلك لشدة حرصهم وورعهم- زعموا- على ألا يدخل جوفهم إلا الحلال من الطعام والشراب؛ يسألون ويستفتون, ويؤصِّلون ويفصِّلون, في حكم أكل لحوم الحيوانات النَّادر أكلها! بل ووجودها!!(10) ولعمر الله هذا من أعجب ما يكون في هذا الزمان المليء بالعجائب والغرائب, بل إنني وقفت على أكثر من ذلك, من المقالات الشبيهة بذلك(11): كمسألة إسبال الثياب! ورضاع الكبير!! وكيفية رمي الجمار!!! والنمص!! والبورصة!!! وكفارة إتيان الحائض! والتداوي بالخمر! وفقه العطاس والتثاؤب!! ورد السلام! ولبس النعل!!... وغيرها.
أيها المساكين الضائعون! هلّا سألتم عن حكم سبِّ أهل العلم, وشتمهم, والطعن فيهم أولاً! أم هلّا سألتم عن حكم اتهام العلماء بالتهم الباطلة, والافتراء عليهم -زوراً وبهتاناً, ظلما وعدواناً-, بغير بينة ولا دليل! من كبائر المعاصي أم لا؟! أم هلّا شرح لنا شيخكم وكبيركم -في الجهل والضلال-! حديث: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"! أم هلّا أريتمونا كلمة ابن عساكر في منتدياتكم السقيمة العقيمة! أو قصته المشهورة مع شيخه العبدري!! لم يوردوا حتى ولا كلمة واحدة في حرمة أهل العلم! لِمَ؟ لأن هذا الكلام يقضُّ مضاجعهم ولا يتوافق مع أهوائهم, وإن كان شيء من ذلك مؤخراً فهو في حقِّ من يقررون هم فقط أنه من العلماء لا غير -كونه لم يتكلم فيهم بعد, أو لم يعرف حتى الآن حقيقة حالهم-, -كما رأينا في الآونة الأخيرة عندما حصل مشادَّة يسيرة بين الشَّيخين الفاضلين- وكثيراً ما يحصل مثل هذا بين العلماء- فتصدَّر كبير القوم في الجهل والضَّلال, منتهزاً الفرصة مصطاداً لبعض الكلمات, وكأنه محامي دفاعٍ عن أحد الشيخين, ولا هو في العير ولا في النَّفير -ما هو إلا كسوسة الخشب للخراب واليباب! ألا فَلَهُ التّباب!- ونحن نعرفك جيداً, فلا تتعالى!... ولا تعدُ قدرك! فتحفر قبرك!..
يا للعار!! ويا للشَّنار! يا من تتسمَّون بالسلفيين! أي عار ألحقتموه بالدعوة السلفية وأهلها؟!
وقد ذكَّرني صنيع هؤلاء الغلاة بما أخرجه البخاري والترمذي وأحمد عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم أن رجلاً سأل ابن عمر- وأنا جالس- عن دم البعوض يصيب الثوب؟ فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. فقال ابن عمر: ها انظروا إلى هذا! يسأل عن دم البعوض؟ وقد قتلوا ابن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنَّ الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا". (الصحيحة/564)
وفي رواية لمسلم: عن ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ سَمِعْتُ أَبِى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِىءُ مِنْ هَا هُنَا". وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ "مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ".... "صحيح مسلم"(50)(2905).
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: "أورد ابن عمر هذا متعجباً من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير وتفريطهم في الشيء الجليل(12)". "فتح الباري"(7/98)
وقال-رحمه الله-: "وقال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أنه يجب تقديم ما هو أوكد على المرء من أمر دينه, لإنكار ابن عمر على من سأله عن دم البعوض مع تركه الاستغفار من الكبيرة التي ارتكبها بالإعانة على قتل الحسين فوبخه بذلك".اهـ "فتح الباري"(10/427)
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فيقال لهؤلاء الذين مثلهم كما قال عبد الله بن عمر لما سأله بعض الناس عن المحرم يقتل البعوض: انظروا إلى هؤلاء يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله- صلى الله عليه و سلم-!
وكما يقال عن بعض الناس: إنه كان يزني بامرأة وهو صائم, فقال لها: غطي وجهك فقد كره العلماء القبلة للصائم.
وكما يقال عن بعض النصارى إذ قال لبعض المسلمين: أنتم تقولون: إن راعياً هو رسول الله. فيقال له: أنتم تقولون: إن جنيناً في بطن أمه هو الله.
ونظائر هذه الأمثال كثيرة التي ينكر فيها الرجل شيئاً وقد التزم ما هو أولى بالإنكار منه".اهـ "درء تعارض العقل والنقل"(5/114)
وما أوقعهم في ما هم فيه إلا الهوى المردي الواضح, والجهل العريض الفاضح, وطول اللسان وسوء الظنون, كما أقرَّ على نفسه بذلك كبيرهم المفتون.
قال العالم الرباني ابن القيم -رحمه الله-: "ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما, فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان, كالنميمة والغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضاً وتصريحاً, وحكاية كلام الناس والطعن على من يبغضه, ومدح من يحبه ونحو ذلك, فتتفق قوة الداعي وتيسر حركة اللسان فيضعف الصبر, ولهذا قال- صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: "أمسك عليك لسانك", فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم", ولا سيما إذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها, ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار, ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة, ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتفكه في أعراض الخلق, وربما خصَّ أهل الصلاح والعلم بالله والدين(13), والقول على الله ما لا يعلم.
وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر, ومثل رأس الإبرة من النجاسة, ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام, كما يحكى أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية, فلما أراد مواقعتها قال: يا هذه غطي وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام!! وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن دم البعوض, فقال: انظروا إلى هؤلاء! يسألوني عن دم البعوض, وقد قتلوا ابن بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
واتفق لي قريب من هذه الحكاية: كنت في حال الإحرام؛ فأتاني قوم من الأعراب المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألوني عن قتل المحرم القمل, فقلت: يا عجباً لقوم لا يتورعون عن قتل النفس التي حرم الله قتلها, ويسألوني عن قتل القملة في الإحرام! (14)".اهـ "عدة الصابرين"ص85
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- عن الذين عبدوا العجل: "وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة: أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير(15)". "التفسير"(5/311)
وقد نعى الله- جل وعلا- في كتابه على المشركين تحريمهم القتال في الأشهر الحرم, وهم في الوقت ذاته قائمون على الكفر والصد عن سبيل الله, وإخراج المؤمنين من بلد الله الحرام, فعاب عليهم فعلهم ذلك لكونهم أنكروا أمراً قد ارتكبوا هم ما هو أعظم منه بمرات ومرات.
قال -تعالى-: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ". [البقرة : 217]
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: "فإن المشركين استعظموا فعلاً واستنكروه وهم يأتون ما هو أفظع منه، ذلك أن تحريم القتال في الشهر الحرام ليس لذات الأشهر، لأن الزمان لا حرمة له في ذاته وإنما حرمته تحصل بجعل الله إياه ذا حرمة، فحرمته تبع لحوادث تحصل فيه، وحرمة الأشهر الحرم لمراعاة تأمين سبيل الحج والعمرة ومقدماتهما ولواحقهما فيها، فلا جرم أن الذين استعظموا حصول القتل في الشهر الحرام واستباحوا حرمات ذاتيَّة بصد المسلمين، وكفروا بالله الذي جعل الكعبة حراماً وحَرَّم لأجل حجها الأشهرَ الحرم، وأخرجوا أهل الحرم منه، وآذوهم، لأحْرِياء بالتحميق والمذمة(16)، لأن هذه الأشياء المذكورة كلها محرمة لذاتها لا تبعاً لغيرها. وقد قال الحسن البصري لرجل من أهل العراق جاء يسأله عن دم البعوض إذا أصاب الثوب هل ينجسه، وكان ذلك عقب مقتل الحسين بن عليّ- رضي الله عنهما-: "عجباً لكم يا أهل العراق تستحلون دم الحسين وتسألون عن دم البعوض!". ويحق التمثل هنا بقول الفرزدق:
أَتَغضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا *** جِهاراً ولم تغضَبْ لقتل ابن خازمِ!". "التحرير والتنوير" (2/328)
وقد ذكر أهل العلم أن هذا الورع لا يصلح إلا لمن استقامت ديانته, وصلحت أحواله كلها, أما من تصنع بالتدين والطهر والعفاف, وهو من أدنى ذلك قحط وجفاف, فهذا سرعان ما يفتضح أمره, وينكشف ستره.
من تزيا بغير ما هو فيه *** فضحته شواهد الامتحانِ
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "وههنا أمرٌ ينبغي التفطن له وهو أن أمر التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها, وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة, ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشُّبه, فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه, كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:"هما ريحانتاي في الدنيا". وسئل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان بر أمه في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل. وسُئِل الإمام أحمد- رحمه الله- عن رجل يشتري بقلاً ويشترط الخوصة- يعني التي تربط بها حزمة البقل- فقال أحمد: أيش هذه المسائل؟! قيل له: إنه إبراهيم بن أبي نعيم، فقال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم، هذا يشبه ذاك، وإنما أنكر أحمد هذه المسائل ممن لا يشبه حاله, وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع, فإنه أمر من يشتري له سمناً, فجاء به على ورقة, فأمر برد الورقة إلى البائع. وكان أحمد لا يستمد من محابر أصحابه, وإنما يخرج معه محبرة يستمد منها، واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته, فقال له:اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه آخر في ذلك فتبسم, وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، وهذا قاله على وجه التواضع، وإلاَّ فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام, بل يتسامح في المكروهات الظاهرة ويقدم على الشبهات من غير توقف".اهـ "جامع العلوم والحكم"ص119
وقال المناوي -رحمه الله-: "وقد سبق أن اللسان فاكهة الإنسان, وإذا تعود اللسان صعب عليه الصبر عنها, فبعد عليه النجاة منها, ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع عن استناده إلى وسادة حرير, أو قعوده عليه في نحو وليمة لحظة واحدة, ولسانه يفري في الأعراض غيبةً ونميمةً وتنقيصاً وإزراءً, ويرمي الأفاضل بالجهل ويتفكه بأعراضهم(17), ويقول على الله ما لا يعلم, وكثيراً ممن نجده يتورع عن دقائق الحرام؛ كقطرة خمر, ورأس إبرة من نجاسة, ولا يبالي بمعاشرة المرد والخلوة بهم وما هنالك, وما هو إلا كأهل العراق السائلين ابن عمر عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين -رضي الله تعالى عنه-"(18).اهـ "فيض القدير"(2/196)
ولا شك أن الأمر كما أسلفنا؛ ضعف في التدين, ونزارة في العلم, وغزارة في الجهل, وقصر في النظر, مع ما يصاحب كل ذلك من الهوى المردي.
قال الأستاذ الدكتور صالح السدلان -حفظه الله-: "ومن دلائل عدم الرسوخ في العلم ، ومن مظاهر ضعف البصيرة بالدين: اشتغال عدد من هؤلاء بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية، عن القضايا الكبرى التي تتعلق بكينونة الأمة وهويتها ومصيرها". "أسباب الإرهاب والعنف والتطرف" ص24
وقال ص31: "ومن المؤسف حقًا أن من هؤلاء الذين يثيرون الجدل في هذه المسائل الجزئية وينفخون في جمرها باستمرار، أناسًا يعرف عنهم الكثيرون ممن حولهم، التفريط في واجبات أساسية مثل: بر الوالدين، أو تحري الحلال، أو أداء العمل بإتقان، أو رعاية حق الزوجة، أو حق الأولاد، أو حق الجوار، ولكنهم غضوا الطرف عن هذا كله، وسبحوا بل غرقوا في دوامة الجدل الذي أصبح لهم هواية ولذة، وانتهى بهم إلى اللدد في الخصومة والمماراة المذمومة".اهـ(19)
وبهذا يكون قد بُذِل المجهود في بيان المقصود,,من التحذير من الانزلاق في مزلة القوم, والوقوع في حضيضهم, ومشابهة صنيعهم, الذين نسأل الله- جل في علاه- صادقين أن يهديهم سواء السبيل, وأن يعيذهم شرور أنفسهم, وسيئات أعمالهم -فوالله إن هدايتهم لهي أحبُّ إلينا- وأن يختاروا لأنفسهم موقعاً حسناً في تاريخ هذه الدعوة المباركة في هذه البلاد المباركة, التاريخ الذي سجل من يطعنون بهم من العلماء من أهل الحديث, فأقول لهم: لا ترضوا لأنفسكم أن تكونوا أعداءً لأهل الحديث(20), وتُسجَّلوا في الصفحة السوداء لهذا التاريخ العظيم, وكما قيل: (التاريخ لا يَرحم).
ونصيحتي لهؤلاء أيضاً؛ أن يسارعوا لاستدراك ما فاتهم من أعمارهم مما أمضوه في الباطل, ويبادروا بالرجوع والتوبة, والإنابة والأوبة, ويحسنوا الظن بالعلماء, ويكفوا عن أعراض الأبرياء, قبل أن يجازَوا بجنس فعلهم, ويبتلوا بموت قلوبهم قبل موتهم, وليدعوا الكبر والحسد والأحقاد, وليستعدوا للسؤال يوم المعاد: لم عاديتم أوليائي؟! وواليتم أعدائي؟! فلا يكون ثَمَّ جواب إلا كشف ما في صدورهم من غِلٍّ مكين, وحقد دفين, يوم تبلى السرائر, فما لهم من قوة ولا ناصر.
نسأل الله أن يطهر قلوبنا من النفاق, وأعيننا من الخيانة, وألسنتنا من الكذب, وأن يحفظ علماءنا ومشايخنا من كل سوء ومكروه.
والحمد لله رب العالمين
كتبه:
أبو عبد الله السلفي المقدسي
علي بن محمد أبو هنية
صباح يوم السبت:17شوال 1429هـ
الموافق: 18/10/2008م
وتم تعديله يوم الثلاثاء: 13 ذو القعدة 1429هـ
(1) من باب معرفة الشر لا غير, على حد قول أبي فراس:
عرفت الشرَّ لا للشَّرِّ *** لكن لتوقِّيه
ومن لا يعرف الشَّرَّ *** من النَّاس يقع فيه
(2) وعامَّتهم كذلك!
(3) من الذي ما ساء قط *** ومن له الحسنى فقط؟
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
(4) وقد كان الشيخ مقبل- رحمه الله- كما ذكر عنه بعض تلاميذه -هداه الله- إذا بلغه عن أحد أنه يطعن فيه وينتقصه يقول: "لا يضر إلا نفسه, لا يضر إلا نفسه". وأنا أقول لهؤلاء: أَقِلُّوا عليهم, فوالله لا تضرون إلا أنفسكم.
أَقِلُّوا عليهم لا أباً لأبِيكُمُ *** مِن اللوم أو سُدُّوا المكانَ الذي سَدُّوا
أولئك قومٌ إن بَنْوا أحسنوا البُنَي *** وإِن عاهدُوا أَوْفَوْا وإِن عَقَدُوا شَدُّوا
وإِن كانت النُّعْمى عليهم جَزَوْا بها *** وإِن أنعمُوا لا كدَّروها ولا كَدُّوا
(5) ويصبُّون عليهم جام غضبهم وحقدهم ويخرجونه بلباس الجرح والتعديل! والغيرة على الدين! وفي حقيقته هو الجرح والتجريح, وحظ النفس الصريح.
(6) الذي أقطع أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد لم يعدلوا في العلم تلميذاً واحداً من تلاميذ مشايخنا.
(7) وغفلوا عن يوم يقفون فيه بين يدي جبار السموات والأرض, يسألهم فيه عما خَطَّت أيمانهم- ألا شُلَّتْ- وسَطَّرتْ أقلامهم- ألا كُسِرَتْ-
وما من كاتب إلا ستبقى *** كتابته وإن فنيت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء *** يسرك في القيامة أن تراه
(8) -قاتل الله هؤلاء الجهلة!- وكأن من يطعنون بهم من المشايخ السلفيين روافض إماميَة! أو معطَلة جهميَة!! أو صوفيَة حلوليَة!!!
كطعنهم في شيخنا العلامة(علي الحلبي) –حفظه الله- وتبديعه, وقولهم عنه: "قطبي, تكفيري, قواعده فاسدة, أسلوبه ملتوي...", وغير ذلك من الافتراءات, وكطعنهم في (شيخنا مشهور) –حفظه الله-, وتبديعه, وقولهم عنه: "تكفيري, وقطبي, وإخواني..." وغير ذلك من السفسطات, وكطعنهم في شيخنا (علي رضا) –حفظه الله-, وقولهم عنه: "متلون, غثاء, له خبئة سوء, فيزيائي, ليس من ذوي التخصص الشرعي, نفسه أمارة بالسوء, تزبب قبل أن يتحصرم...", وغير ذلك من الوقاحات... والقائمة تطول, في تطاولهم على العدول, ولو أردت سرد طعونهم -وخاصة كبيرهم في الجهل والضلال- في العلماء الأجلاء؛ لقفّ شعر القراء, لشدة ما سيرون من البلاء, ومن التطاول على العلماء, وكله مسجل ومحفوظ ومفرغ إلى وقته وحينه.
ونسي -أو تناسى- هؤلاء الغلاة الجفاة -الذين يسيرون على درب الحدادية والحربية- أن الذين طعنوا فيهم كلهم تلاميذ وأصحاب الإمام الألباني –رحمه الله-؛ فمن تكلم فيهم وطعن بهم فإنما يريد الألباني–رحمه الله-, وأقول لهم كما قال الإمام عبد الوهاب الورّاق -رحمه الله- عندما سئل: إن تكلم أحد في أبي طالب والمرُّوذي (من أصحاب أحمد), أما البعد منه أفضل؟ قال: "نعم, من تكلم في أصحاب الإمام أحمد: فاتَّهمه ثم اتَّهمه، فإن له خبئةَ سَوء, وإنما يريد أحمد".اهـ "السير"(13/174), فقصم الله من عادى أولياءَ الله.
(9) بل لشدة حقدهم وغلوائهم صاروا يتخبطون ويخلطون, حتى رموهم بالنقائض, على حد قول القائل:
إثبات ضدين معاً في حالِ *** من أقبح ما يأتي من المحالِ
كرميهم شيخنا البحر (علي الحلبي) –حفظه الله- بالخارجية والحدادية, أو بالشدة والتمييع في آن واحد. وما درى هؤلاء الجهلاء أن البحر لا تكدِّره جيف البلاء, ولا كثرة الدِّلاء.
(10) كَنُدْرَة هذا الصنف من الناس -لا كثَّرهم الله-.
(11) والتي يَسِمونها ظاهراً بالعلم؛ ليستروا قبيح أفعالهم, ويخفوا رديء أقوالهم.
(12) وهذا تماماً كحال هؤلاء الذين ابتلينا بهم أيَّ ابتلاء.
(13) الله أكبر! لله در هذا العَلَم, وكأن ابن القيم يعيش في زماننا ويحكي حال هؤلاء, وأمثالهم من الغثاء!!
(14) لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ *** إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ.
(15) وذلك جهل مركب مستطير.
(16) إي وربي.
(17) لا إله إلا الله, أين أنتم عن هذا الكلام المتين, أيها المساكين؟!
(18) قارنه بكلام ابن القيم المتقدم ذكره.
(19) تماماً كحال هؤلاء, هداهم رب الأرض والسماء؟!
(20) عن أحمد بن الحسن الترمذي أنه قال للإمام أحمد- رحمه الله-: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحابَ الحديث, فقال: أصحاب الحديث قوم سوء. فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه ويقول: زنديق زنديق زنديق, ودخل البيت.
|