إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُهُ ونَستَعينُه ونستَغْفِرُه، (ونَعوذُ بِالله مِن شُرورِ أنفُسِنا، وسَيِّئاتِ أعْمَالِنا)، من يهدهِ الله فَلا مُضِلَّ لَه، ومَن يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَه.
وأَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه-.
وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسولُه.
أمَّـا بعـدُ:
فمُذْ رجعتُ مِن الحَجِّ -الأسبوعَ قبل الجاري- وقد استقرَّ في مكتبتي قراري، واطْمَأْنَنَتُ إلى سكَني وداري-: وأنا تأتيني المسائلُ والاتصالات، وتَرِدُ عليَّ الرسائلُ والاستفسارات: حول ما يجري على الساحة السلفيةِ مِن أحداثٍ ومُستجدَّات، وشيءٍ مِن الخِلافات!؟
ولعلَّ هذا -إن شاء اللهُ- وإنْ كان يُسيءُ!- بدايةٌ طيبةٌ لِفجرٍ مُباركٍ يتواصلُ مع أنوار هذه الدعوة الميمونةِ؛ تأتلفُ عليه القلوب، وتجتمعُ إليهِ العقول -علماً وعملاً، عقيدةً ومنهجاً، تصفيةً وتربيةً، أدَباً وأخلاقاً، صدقاً وإخلاصاً-...
وممَّا اطَّلَعْتُ عليه -مِن مقالات وردود وتعقُّبات-: محاضرة الأخ عادل منصور -وفَّقَهُ اللهُ- المُسَمَّاة: «نُصح اللبيب بكشف حال أهل التشغيب»، والتي رأيتُها -في الجملةِ- نافعةً لطيفةً -وإن كان فيها نقصٌ، وتشويشٌ -غيرُ مقصودَيْن-أقرَّ بهما (معتذراً) الأخ عادلٌ -نفسُه- في محاضرتِه- مراراً!-، وإجمالٌ وعمومٌ -مقصودان-؛ لم يُشِرْ إليهِما -وفَّقَهُ المولى -بتاتاً-!
ولقد حَفَزَتْنِي محاضرةُ الأخ الفاضل -وما أعقَبَهَا!- لِذِكْرِ أُمور وأُمور -في هذا المقال والمقام- أكثرُها مُعينٌ على (التكميل والترتيب)، وطريقٌ إلى (التفصيل والتبيين)-:
أولها -وأهمُّها-: ما قَفَزَ إلى ذهني (!) مِن خَبَرِ تلكم الواقعةِ التي جرت بين شيخ الإسلام ابن تيميَّة، والعلاّمة أبي حيَّان الأندلسي اللغوي المُفَسِّر؛ إذ ناظرَ -هذا الأخيرُ- شيخَ الإسلام في شيءٍ مِن علومِ العربية، فذكر له كلامَ سيبويه!
فقال شيخُ الإسلام: يفشُر سيبويه!
فقال أبو حيَّان: هذا لا يستحقُّ هذا الخطابَ!!
فقال شيخُ الإسلام: ما كان سيبويه نبيَّ النحو! ولا كان معصوماً! بل أخطأ في «الكتاب» في ثمانين موضعاً؛ ما تفهمُها أنت!
... فكان ذلك سببَ مُقاطعتِه إيَّاه. [كما في «الدرر الكامنة» (1/144-160)].
أقولُ:
ومَن ذا في غير هذا مِن العلوم نبيُّها؟!
ومَن ذا في غير هذا معصومٌ؟!
فنحنُ (نُقَدِّرُ) العلماءَ.. ولكِنْ؛ لا (نُقَدِّسُهُم)...
ففَهْمُ هذا الأصلِ: أهمُّ الأسباب، وإدراكُهُ: أجلُّ الأبواب..
... دون توريد أدنى شكٍّ أو ارتياب!!
الثاني: كَثُرَ الكلامُ -هُنا وهُناك وهُنالك- في هجر المبتدع، وما يتعلَّقُ به؛ وكأنَّ ثَمَّةَ (مِن دُعاة المنهج السلفيِّ) مَن يُنْكِرُهُ، أو لا يُوافقُ عليه!
وهذا -هكذا!- تشغيبٌ غريب!!
مع أنَّ لشيخِنا الإمام الألبانيّ كلمةً -كان يُكرِّرُها- (قد) يُفهَمُ منها إنكارُ (الهجر) وردُّهُ؛ حيث يقولُ -رحمهُ اللهُ-: «هذا الزمانُ ليس زمانَ هجر»!
وقد بيَّنْتُ وجهَ قولِه -الصوابَ- في كتابي «منهج السلف الصالح..» (ص87 و247 -تحت الطبع-) -بما لا يتعارض مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- الآتي-:
فإنَّ له -رحمهُ اللهُ- كلاماً عظيماً في أحكامِ الهجرِ، ورَبْطِ ذلك بالمصالحِ -جلباً-، وبالمفاسدِ -دفعاً-، وبيان أثر الزَّمَان والمكان في أحكام -وحِكَم -هذا الهجر للأعيان- وجوداً وعدماً-؛ قال -رحمهُ اللهُ- في «مجموع الفتاوى» (28/212-213):
«فالهجرانُ:
قد يكونُ مقصودُه: تركَ سيئةِ البدعةِ التي هي ظُلمٌ وذنبٌ وإثمٌ وفسادٌ.
وقد يكونُ مقصودُه: فِعْلَ حسنةِ الجهاد، والنهيِ عن المنكرِ، وعُقوبةِ الظالمين؛ لِيَنـْزَجِروا، ويرتدعوا، وليَقْوَى الإيمانُ والعملُ الصالحُ عند أهلِه.
فإنَّ عقوبةَ الظالم تمنعُ النفوسَ عن ظلمِه، وتحضُّها على فعلِ ضِدّ ظُلمِه- مِن الإيمان والسُّنَّة -ونحوِ ذلك-.
فإذا لم يكنْ في هجرانِه انزجارُ أحدٍ، ولا انتهاءُ أحدٍ؛ بل بطلانُ كثيرٍ مِن الحسنات المأمورِ بها: لمْ تكنْ هجرةً مأموراً بها، كما ذكره أحمدُ عن أهل خُراسان -إذ ذاك-: أنهم لم يكونوا يَقْوَوْنَ بالجهميةِ، فإذا عَجَزُوا عن إظهارِ العداوةِ لهم سَقَطَ الأمرُ بفِعْلِ هذه الحسنة، وكان مداراتُهم فيه دفعُ الضررِ عن المؤمن الضعيف.
ولعلَّهُ أنْ يكونَ فيه تأليفُ الفاجرِ القويِّ.
وكذلك لـمَّا كَثُرَ القَدَرُ في أهل البصرةِ؛ فلو تُرِكَ روايةُ الحديثِ عنهم لانْدَرَسَ العلمُ والسننُ والآثارُ المحفوظةُ فيهم.
فإذا تعذَّرَ إقامةُ الواجباتِ مِن العلمِ والجهادِ -وغير ذلك- إلا بمن فيه بدعةٌ مضرَّتُها دونَ مضرَّةِ تركِ ذلك الواجب: كان تحصيلُ مصلحةِ الواجبِ -مع مفسدةٍ مرجوحةٍ معه- خيراً من العكس.
ولهذا كان الكلامُ في هذه المسائل فيه تفصيلٌ.
وكثيرٌ مِن أجوبةِ الإمام أحمدَ -وغيرِهِ مِن الأئمَّةِ- خَرَجَ على سؤالِ سائلٍ قد علِمَ المسؤولُ حالَهُ، أو خرجَ خِطاباً لمعيَّن قد عُلِمَ حالُه، فيكونُ بمنـزلةِ قضايا الأعيانِ الصادرةِ عن الرسولِ -صلى الله عليه وسلم-: إنَّما يثبُتُ حُكْمُها في نظيرِها.
فإنَّ أقواماً جعلوا ذلك عامًّا، فاستعملوا مِن الهجر والإنكارِ ما لم يُؤْمَرُوا به -فلا يجبُ ولا يُسْتَحَبُّ-، وربَّما تركوا به واجباتٍ أو مستحبَّاتٍ، وفعلوا به محرّماتٍ.
وآخَرونَ: أعرضوا عن ذلك بالكُلِّيَّةِ، فلم يَهْجُرُوا ما أُمِرُوا بهجرِه مِن السيِّئات البدعيَّةِ: بل تركوها تَرْكَ المُعْرِضِ؛ لا تَرْكَ المُنْتَهِي الكارِه، أو وقعوا فيها.
وقد يتركونَها تركَ المنتهي الكارِهِ، ولا يَنْهَوْنَ عنها غيرَهم، ولا يُعاقِبُون بالهجرةِ -ونحوِها- مَن يستحقُّ العقوبةَ عليها، فيكونون قد ضيَّعوا مِن النهيِ عن المنكر ما أُمِرُوا به إيجاباً أو استحباباً، فهم بين فِعْلِِ المُنْكَرِ، أو تركِ المَنْهِيِّ عنه.
وذلك: فعلُ ما نُهُوا عنه، وتركُ ما أُمِرُوا به.
فهذا هذا.
ودينُ الله وَسَطٌ بين الغالي فيه، والجافي عنه».
قلتُ:
فالتأصيلُ -في هذا الباب الأصيل-: مُتَّفَقٌ عليه بين جميع دُعاة السنةِ، وحَمَلَةِ منهج السَّلَف، وإنَّما وَقَعَ الاختلافُ مِن جهةِ التطبيقِ- حسبُ- كما هو صريحُ كلامِ شيخ الإسلام-.
فهذا مَسْرَحُ النَّظَرِ، ومَناطُ الفِكَر...
فهل هذا -إنْ حَصَلَ أيُّ خِلافٍ فيه!- مُسْتَنْكَر؟!
وهذا التحقيقُ؛ هو معنى ما قالهُ الشيخُ عُبَيْدٌ الجابريُّ -سلَّمَهُ اللهُ- في بعضِ «أجوبتِه»:
«يجبُ على السلفيِّين أن يَرفُقوا ببعضِهم، وأن يتأنَّوْا، وأن لا يتسرَّعُوا في الهجر؛ فإن هذا خَطَأٌ.. والمُخالفةُ تُرَدُّ، المخالفةُ تُرَدُّ ولا تُقْبَلُ، ويُبَيَّنُ الخطأُ أنَّهُ خطأٌ، وأن الحقَّ خلافُهُ -بالدَّلِيل-.
وإنما يُهْجَرُ المبتدعُ الذي قامت عليه الحُجَّةُ، وظهرت بدعتُه، فإنَّهُ يُهْجَرُ ولا كرامةَ عنده، إلا إذا ترتَّبَ على الهجرِ مفسدةٌ أكبرُ مِن ذلك، فإنَّهُ يُكتَفَى بالحَذَرِ منه، والحَذَرِ مِن مُجالستِه، ولا يُهْجَرُ هجراً تامًّا، بحيث إنَّهُ لا يُسَلَّمُ عليه، وغيرُ ذلك من الأُمورِ.
والحقيقةُ: أنَّ كثيراً مِن السَّلَفِيِّين اشتدُّوا على إخوانِهم في هذا البابِ -حسب ما بَلَغَنَا-؛ فبِمُجَرَّدِ ما يرى سلفيٌّ أخاهُ يُكَلِّمُ آخَرَ غَيْرَ مَرْضِيٍّ عنه، يهجُرُه!!
وهذا -في الحقيقةِ- لا ينبغي.
هذا خطأٌ».
ومِن أمثلةِ ما جرى بين السَّلف مِن خلافٍ -أو استدراك عالمٍ على مَن هو (أكبرُ منه)-:
ما قاله أبو عليّ النيسابوري: قلتُ لابن خُزيمة: لو أخذتَ الإسنادَ عن محمد بن حُميد فإنَّ أحمد قد أحسن الثَّناءَ عليه! فقال:
إنَّه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً. [«تهذيب التهذيب» (9/180)، و«الميزان» (7353)]
... فتأمَّل مُخالفةَ هذا العالم لِمَنْ هو أجلُّ منه، وأكبرُ، وأعلمُ...
ولم يُعَبْ ذلك عليه، ولم يُوَجَّهْ -بسببِه- سَهْمُ نقدٍ إليه!!
وَوَرَدَ مِن آثارهم وأخبارهم -رحمهم الله- أيضاً-: عَدَمُ التفاتهم لما قيل فيهم، أو انتُقِدَ عليهم -شخصيًّا!- حرصاً على الحقِّ ودعوته -عُموماً-:
فقد قال أبو داود: جاء رجلٌ إلى أحمد، فقال: أنكتبُ عن محمد بن منصور الطُّوسي؟ فقال: إذا لم تكتُبْ عن محمد بن منصور فعمَّن؟! يقول ذلك مراراً.
ثُمَّ قال له الرجل: إنَّه يتكلَّمُ فيك!
فقال أحمد: رجلٌ صالحٌ ابتُلي بِنا! فما نعمل؟! [«بحر الدم» (939)، و«طبقات الحنابلة» (2/45)]
... إنّه ترجيحُ (المصلحة الشرعية العامَّة) على (المصالح الشخصية الضيِّقة!)...
وبين هذا وذاك:
نراهم -رحمهم الله- لا يسترسلون في أحكامِهم -ربطاً للماضي بالحاضر؛ فضلاً عن توصيلِ الحاضر بالمستقبل!! حبلاً واحداً، وسلسلةً لا تنقطعُ!!
بل يُمَيِّزون، ويتفَقَّدون، ويصبرون، ويتأنَّونَ، ويتأمَّلُون، وَبِالثَّبْتِ يحكُمون:
فقد قال أبو مزاحم موسى بن عُبيد الله: سأل عمّي أبو علي عبدالرحمن بن يحيى، أحمدَ بن حنبل عن ابن المؤذن؟ فقال:
كان مع ابنِ أبي دُؤاد وفي ناحيتهِ، ولا أعرف رأيَه اليوم! [«تاريخ بغداد» (5/416)]
... فمَن ذا لا (يتغيَّر) -سواءٌ -في هذا-: السلبُ أو الإيجاب-؟!
نسألُ اللهَ الثباتَ حتى الممات -على نهج السلف وأئمَّته الأثبات-...
قلتُ:
وهذه الآثار السلفيةُ -المذكورةُ -هُنا- عن أئمّةِ السُّنَّة النَّبويَّةِ -وغيرها- مُقْتَطَفةٌ مِن كتابي «التحقيق المؤصَّل، والتطبيق المُفصَّل - في العقيدة، والسُّنَّة، والمنهج، والأخلاق - عند الإمام المُبجَّل أحمدَ بن حنبل» -يسَّر اللهُ إتمامَه على خير-.
والحمد لله على توفيقهِ...
الثالث: (التشغيب): كلمةٌ مطَّاطةٌ، يُدَحْرِجُها قائلُها كيفما يريدُ، على وَفْقِ ما يُريد، تُجاهَ مَن يُريدُ!!
ممَّا يجعلُ السامعَ -أو القارئَ- يطيشُ ذِهنُهُ -بغيرِ بيِّنَةٍ- إلى «فُلان الحضرميّ! أو فلان الحلبيّ! أو فلان اليمنيّ!»، أو فُلان الجنوبيّ! أو فُلان الشمالي!!
و(قد) لا يكونَه!
... ممَّا يُعَمِّقُ الهُوَّةَ، ويُعْظِمُ الفجوةَ!!
وكم شغَّبَ مُخالفو أهلِ السُّنَّةِ ودُعاةِ منهج السلَف -عليهم- بمثل ذا، مُدَّعِين عليهم الشَّغَبَ والتشغيبَ!!!
فلا يجوزُ أنْ يُشَغِّبَ أهلُ السُنَّةِ بعضُهم على بعضٍ بمثلِ هذا؛ فيُطْمِعُوا أعداءَهم، ويُشمِتُوا خُصَماءَهُم!! - وهُم على منهج واحد، واعتقاد واحد-:
وفي «سُؤالات المَرُّوذي لأحمد» (242)، قال:
«سمعتُ أبا عبدِ الله: سمعتُ مؤمَّلاً يقولُ:
(شَغَّب) أصحابُ الحديث بمكَّة على سُفيان، وكان فيهم شُعيب بن حرب، حتى عَزَلُوا المُستملي»!!
فهل هذا (العزل) -أو ذاك (الإسقاط)!- وأشباهُهُما- نافعٌ للدَّعْوَة، ومُفيدٌ للأُمَّةِ؟!
أمْ أنَّهُ سببٌ لاهتزازِها، وبابٌ لردِّ إعزازِها؟!
نعم؛ قد يَنتقدُ أهلُ السُّنَّةِ ودُعاةُ المنهج السلفيِّ بعضَهم بعضاً، أو يُخَطِّئُ بعضُهم بعضاً؛ فهذا أمرٌ مشروعٌ لا شِيَةَ فيه -إذا كان ضمن إطار العِلم والحِلم؛ بغيرِ بأْوٍ ولا استكبار-..
ودونما وعيدٍ ولا استنفار!
قال ابنُ حزم في «الفِصَل» (2/102):
«فكُلُّ ما ثَبَتَ بِبرهانٍ؛ فعُورضَ بشيءٍ: فإنَّما هو تشغيبٌ -بلا شَكّ-».
وعَرَّفَ الجُويني في «البُرهان» (2/843) (التشغيب) بأنَّهُ:
«الكلامُ غير المُستنِد إلى مأخذ».
وما أجملَ ما قالَهُ العلاّمةُ السِّراجُ البُلْقِينيّ في «محاسن الاصطِلاح» (ص176):
«الانتهاضُ بمجرَّدِ الاعتراض: مِن جُملة الأمراض».
وهذا -على وجه التمام- هو معنى (التشغيب)!! الذي هو -في حقيقةِ حالِه-(مُراوغات جدليَّة) -فارغة- كما في «شرح الكوكب المنير» (3/338) -لابنِ النجَّار-.
... أمَّا (المنعُ) أو (المعارضةُ) -وهُما قَسِيما (التشغيب) -كما في «البداية والنهاية» (1/148-المعارف) -وهُما مِن مصطلحات (علم الجَدَل)-: فهما قائمان -أساساً- على الدليل والبُرهان، والعلم والبيان -ولو قَصُرَ صاحبُهُما عن إقامةِ الحُجَّة، وإبداء الإقْناع -عليهما-.
ولْيَعْلَم الجميعُ أنَّ التشغيبَ بادِّعاءِ التشغيبِ(!) مُفسِدٌ للقُلوب والعقولِ؛ إذ لا حُجَّة فيه، ولا بيِّنَة عليه؛ بل إجمالات، وعمومات، قد يطيرُ كُلُّ ذهنٍ إليها على وجهٍ مُخالفٍ لغيرِه -ومُعاكِس! -بياناً واتِّجاهاً-!!
وكفى بهذا تشغيباً، وتشويشاً!
والأصلُ -بين السلفيِّين- على الأقلّ -: أنْ نَعْلُوَ بخطابِنا، وأن نرتفعَ بحوارنا؛ فلا نخرجُ عن مُواجهةِ الحُجَّة بالحُجَّة، والدليل بالدليل؛ نقاشاً علميًّا خالصاً، وبحثاً حُرًّا نزيهاً؛ مِن غير استِسفاهٍ، ولا تسقُّطٍ، ولا تلقُّطٍ -إخلاصاً للرَّبِّ، وصدقاً مع العبدِ-...
... وما حالُ المُشَغِّب -بشغَبِهِ وتشغيبِه!- إلا كما قيل- قديماً-:
كَشِيشُ أفعى أجْمَعَتْ لِعَضِّ فهي تَحُكُّ بعضَها ببعضِ!
فالمُشاغبةُ -طُرًّا-: تهويل بلا تحصيل...
فافْهَمْ.
لذا؛ وصفها العلاّمةُ ابنُ حزم في «الإحكام» (3/355) بأنَّها:
(كلامُ الجهل، والتكلُّم بغير علم)...
وقال في موضعٍ آخَرَ -منه- (1/37):
«الشغَب: تمويهٌ بحجَّةِ باطلٍ، بقضيَّةٍ -أو قضايا- فاسدة؛ تقودُ إلى الباطل».
وعليه؛ «فإنَّ المُشَغِّبَ لا يستحقُّ جواباً:
فإنْ لجَّ وتمادَى في غَيِّهِ: أُعْرِضَ عنهُ؛ لأن أهلَ العلمِ إنَّما يتكلَّمُونَ على ما فيه حُجَّةٌ أو شُبهةٌ؛ فإذا عَرِيَ الجدلُ عن الأمرين إلى الشغَب لم يكن فيه فائدةٌ، وكان الأَوْلَى بذي الرأي الأصيل والعقل الرصين: أنْ يصونَ نفسَه، ويرغبَ بوقتِه عن التضييعِ معه، ولا سيَّما إذا كان الاشتغالُ به مما يُوهِمُ الحاضرين أنَّ صاحبَهُ سالكٌ لطريقِ الحجَّةِ! فإنَّهُ ربَّما كان ذلك بما يُرى منه مِن حُسن العبارة، والاغترار بإقبالِ خصمِه عليه بالمناظرة!
فحَقُّ مثلِ هذا: أنْ يُبَيّنَ له: أنَّهُ على جهةِ المشاغبةِ، دونَ طريقِ الحُجَّةِ أو الشبهة» -كما في «شرح الكوكب المنير» (4/382)-.
الرابع: نحن نؤكِّدُ -دائماً- على أنَّ «حفظَ دينك -يا سَلَفِيّ- خيرٌ مِن الرِّبح غير المضمون»؛ الذي (قد) يكونُ له سلبيَّاتٌ أكثرُ؛ تنعكسُ عليك، وترتدُّ إليك؛ وذلك -على الأقل- تحوُّطاً واحتياطاً...
وإنْ كنتُ -مِن جهةٍ أُخرى- لا أرَى تعارُضاً -مِن حيثُ الأصل- بين حفظِ دينِك، وبين السعي إلى الربح- ولو كان غيرَ مضمون -نسبيًّا-!
ذلكم أنَّ الداعيَ السَّلَفِيّ عندما يدعو أيَّ مُخالفٍ لدعوتِه -إلى دعوتِه-؛ فإنَّ دعوتَه -هذه- أصلاً- غيرُ مضمونة -كما هو (قالُ) الشرع، و(حالُ) الواقع-:
{ليس عليك هُداهم..}..
{فلعلَّكَ باخعٌ نفسَك على آثارِهم إنْ لم يُؤمنُوا بهذا الحديثِ أسَفاً..}.
{فلا تَذهبْ نفسُك عليهِم حسرات إنَّ الله عليمٌ بما يصنعون}..
... وما موقفُ الأنبياءِ -حالةَ ورودِهم يومَ القيامةِ -قلَّةَ أتباعٍ، أو عَدَمَهُم بالمَرَّة- عن العارفِ ببعيد!
ولا أحدَ -كائناً مَن كان- خيرٌ منهم...
ومع ذلك؛ فلا أحدَ يمتنعُ عن الدعوةِ، أو ينقطعُ دونها: تحت ستار هذه الحجَّة -غير المضمونة، ولا المَصُونة-!
ولو (افتَرَضْنا) صورةً ثالثةً، وهي: دعوة مَن (يغلبُ على الظنِّ) ترتُّبُ مفاسدَ على دعوتِه؛ بحيثُ يُؤَثِّر ذلك على رأسِ مالِك، ويَنْقَصُّ على شأنِك وحالِك: فهذا الذي يُنهى عنه قطعاً، ويُحَذَّرُ مِنه جزماً، ولا يُقالُ فيه: (...خيرٌ!...) -فقط-!
ومع ذلك؛ فبابُ عكسِ (غَلَبَةِ الظنِّ) -هذه- غيرُ مُغْلَقٍ -مِن حيث إمكانيَّةُ الحصولُ-!
الخامس: مِن المُقَرَّر عند كُلِّ سلفيّ واعٍ: أن «منهج السلَف كلَّه مصالح في هجر البدع وأهلها»؛ إذ هذا حقٌّ مُبين، ولكنَّ العبرةَ في تحقيق هذه المصالح على أرض الواقِع، وحُسن الاجتهاد في تطبيقِها...
فكم رأينا مَن حَرَصَ على تنـزيل هذه القاعدة الصحيحة على مُعَيَّن؛ فأفسدَ مِن حيث لا يَشعُر!
أو -على الأقل- أحدث شَرخاً، أو أوقع خَلَلاً!!
ومِن هذا: ما تألَّمَ منه -ونَعَاهُ على أهلِه- فضيلةُ الشيخِ ربيع بن هادي -كما في «المجموع الواضح» (ص17) - ممّا أصاب «المنهجَ السلفيَّ مِن التشويه وشماتة الأعداء -الأمر الذي لا يُطاق-».
-زادَهُ اللهُ توفيقاً، ونَفَعَ به-.
مع أنَّ سِيَرَ السَّلَفِ، وأئمّة العلمِ على عكس ذاك، وضدِّه.
والشواهد -والشهودُ- على هذا- أكثرُ مِن أنْ تُحْصَر، أكتفي بذلك (خَبَرٍ) واحدٍ، ذي عبرةٍ:
ففي «تاريخ بغداد» (14/427):
«قال أبو زكريا غلام أحمد بن أبي خيثمة: كنتُ جالساً في مسجد الجامع بالرَّصافة، مما يلي سَويقة نصر، عند بيت الزيت، وكان أبو خيثمة يُصلِّي صلواتهِ هناك، وكان يركع بين الظهر والعصر، وأبو زكريا يحيى بن معين قد صلَّى الظهرَ وطرح نفسه بإزائه، فجاءه رسولُ أحمد بن حنبل، فأوجز في صلاتِه، وجلس، فقال له:
أخوك أبو عبد الله أحمد بن حنبل يقرأ عليك السلام، ويقولُ لك: هُوذَا تُكثر الحديثَ عن عُبيد الله بن موسى العَبْسي، وأنا وأنت سمعناهُ يتناول معاوية بن أبي سفيان (وقد تركتُ الحديثَ عنه)!
قال: فرفعَ يحيى بن مَعين رأسَهُ، وقال للرسول: اقرأ على أبي عبد الله السلامَ، وقُل له يحيى بن معين يقرأ عليك السلام، ويقولُ لك: أنا وأنت سمعنا عبد الرزاق يتناول عثمان بن عفان (فاترك الحديثَ عنه)، فإن عثمان أفضلُ من معاوية!»!
قلتُ:
فاختلفا، ولكنْ: ما تنازعا، بَلْهَ أن يُسقِط أحدُهما الآخرَ، أو يُخَذِّلَ عنه، أو يُضلِّلَهُ!!
مع أنَّ الأوّل (ألزم) الثَّاني، والثَّانيَ عَكَسَ (إلزامَه) عليه، وردّ كلامَه إليه!!
وليس ذا -وَلا ذا- بالأمر الهيِّن، أو اليسير!!!
... وأمَّا الثناءُ العَطِرُ المُتبادَلُ بينهما -رحمهما اللهُ- على اختلافِهما!-؛ فهو أشهرُ مِن أن يُذكرَ، وأكبرُ مِن أن يُسْطَرَ...
فانظُر -له- مَثَلاً-: «تاريخ بغداد» (14 و17)، و«سير النبلاء» (11/197).
وهذا -نفسُهُ- معنى ما أكَرِّرُهُ -دائماً- مِن قولي: «لا يجوزُ أنْ نجعلَ خِلافَنا (الاجتهادي المعتبر = نحن أهل السنة) في غيرِنا (ممن خالف السنة: من مُبتدع، أو سُنِّيّ وقعَ في بدعة): سبباً في الخلافِ بيننا (نحن أهل السُّنَّة)»؛ بل نتناصحُ بالعلم والحقّ، ونتواصى بالصبر والمرحمة...».
-كما في حاشية كتابي «منهج السلف الصالح..» (ص207)-.
والعجبُ ممَّن زَعَم قراءةَ كتابي -هذا-(!) في الوقت الذي ينقُلُ عنّي خلافَ صريحِ قولي!
وأمَّا تلكم القاعدةُ الإخوانيَّةُ الحزبيَّةُ البنَّائيَّةُ الظالمةُ المظلمةُ: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضُنا بعضاً فيما اختلفنا فيه»!!: فباطلةٌ -صدوراً وورُوداً-!!
ولأخِينا الفاضل الدكتور الشيخ حمد العثمان -حفظهُ اللهُ- كتابٌ كاملٌ في نقضِ هذه (القاعدةِ = غير القائمة!) -الفاسدة-؛ والذي كان لي -والفضلُ لله-وحدَهُ- شَرَفُ تسميتِه في طبعتِه الأولى -مُؤازرةً ومُناصَرَةً-.
وقد قال شيخُنا الإمامُ الألبانيُّ في «صلاة التراويح» (ص36-37):
«ولهذا؛ نرى (العلماء) -مع اختلافِهم (الشديد) في بعض المسائل -لا يُضلِّلُ بعضُهم بعضاً، ولا يُبَدِّعُ بعضُهم بعضاً».
وقد ذكرتُ في كتابي «منهج السلف الصالح..» (ص109) نقُولَ عددٍ مِن أهلِ العلمِ في اعتبارِ الخلافِ في (الجرحِ والتعديلِ) كالاختلافِ في (الفقهِ) -سواءً بسواءٍ-؛ فتنبَّه!!
وقد قال فضيلة الشيخ ربيع بن هادي -كما في «المجموع الواضح» (ص179): ردًّا على مَن أنكر (أن يَجْرَحَ الشيخ بما لا يُعتبر جرحاً عند غيره) -بقولِه-:
«هذه قاعدةُ أئمّة السُّنَّة والحديث:
وليست بظالمةٍ.
بل هي مِن صميم العدل الذي جاء به الإسلامُ؛ لأنَّ العالمَ قد يُخطئُ في الجرح، أو في التعديل، فَيُصَحِّح أخوه خطأَه في هذا أو هذا.
وقد يَجرَحُ العالمُ بغير جارحٍ، فَيَرُدُّ العلماءُ النُّقَّادُ جرحَه؛ إنصافاً لمن وقع عليه هذا الجرحُ».
وكان قد نَقَلَ -حفظه الله- (ص177) عن العلاَّمةِ المُعلِّمي -مُقرِّراً مستدلاً- قولَه:
«وقد كان مِن أكابر المحدِّثين -وأجلِّهم- من يتكلَّم في الرواة: فلا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُلْتَفَتُ إليه».
قلتُ:
ولم يكن هذا (الردُّ) مُسْقِطاً لهم، ولا مُزَلْزِلاً مكانتَهم؛ فاحْذَرْ...
ولازمُ هذه القاعدةِ الصحيحةِ -غيرُ المُنْفَكِّ عنها-: «نقضُ القبائح وتطويح المفاسد» -لزوماً-، وما يتْبَعُ ذلك مِن «ذِكْرِ ما في الهجر من مصالح»؛ توكيداً لهذه المعاني الحقَّة؛ حتى لا يتهاونَ السلفيُّون مع أهل البِدع والأهواء...
السادس: الجِدال الحقّ بالحقّ إلى الحقّ:
قال العلاّمةُ ابنُ أميرِ الحاج في «التقرير والتحبير» (3/285):
«فَالْحَقُّ أَنْ لا يُبْنَى الْجَدَلُ إلاّ عَلَى وَجْهِ الإِرْشَادِ وَالاسْتِرْشَادِ، لا للغَلَبَةِ وَالاسْتِدْلالِ.
وَالْوَاجِبُ: رَدُّ الْجَمِيعِ إلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.
وَكَيْفَ لا؟! وَالْجَدَلُ مَأْمُورٌ بِهِ -بِالْحَقِّ- كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ.
ثُمَّ -كَمَا فِي «الْوَاضِحِ»-: لَوْلا مَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْبَاطِلِ، وَاسْتِنْقَاذِ الْهَالِكِ -بِالاجْتِهَادِ فِي رَدِّهِ عَنْ ضَلالَتِهِ-: لَمَا حَسُنَتِ الْمُجَادَلَةُ -لِلإيحَاشِ فِيهَا -غَالِبًا-.
وَإِذَا نَفَرَت النُّفُوسُ: عَمِيَتِ الْقُلُوبُ، وَخَمَدَتِ الْخَوَاطِرُ، وَانْسَدَّتْ أَبْوَابُ الْفَوَائِدِ، وَلَكِنْ: فِيهَا أَعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ إذَا قُصِدَ بِهَا نُصْرَةُ الْحَقِّ، وَالتَّقَوِّي عَلَى الاجْتِهَادِ.
وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قَصْدِ الْمُغَالَبَةِ وَبَيَانِ الْفَرَاهَةِ [النشاط والحِذْق]؛ فَضْلاً عَنْ قَصْدِ التَّغْطِيَةِ عَلَى الْحَقِّ، وَتَرْوِيجِ الْبَاطِلِ بِآفَةٍ مِنْ الافَاتِ؛ مِنْ مُحَابَاةٍ لأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ؛ تَقَرُّبًا إلَيْهِمْ، أَوْ مُنَاضَلَةً مَرْدُودَةً -دَوْمًا- لِحُصُولِ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ الْعَوَامّ وَالتَّعْظِيمِ لَدَيْهِمْ -إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُصُودِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ-.
وَمَنْ بَانَ لَهُ سُوءُ قَصْدِ خَصْمِهِ: فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ أَدَّى إلَى: مَكْرُوهٍ؛ فَمَكْرُوهٌ، وَ:مُحَرَّمٍ؛ فَمُحَرَّمٌ؛ لانَّهُ إعَانَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ -تَعَالَى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- {وَإِنْ جَادَلُوك فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ؛ عَلَّمَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- عِبَادَهُ؛ لِيَرُدُّوا بِهِ مَنْ جَادَلَ تَعَنُّتًا، فَلا يُجِيبُوهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اجْتِمَاعَ جَمْعٍ مُتَجَادِلِينَ فِي مَسْأَلَةٍ -مَعَ أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمْ لا يَطْمَعُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا ظَهَرَتْ لَهُ الْحُجَّةُ، وَلا فِيهِ مُؤَانَسَةٌ وَمَوَدَّةٌ وَتَوْطِئَةُ الْقُلُوبِ لِوَعْيِ الْحَقِّ؛ بَلْ هُوَ عَلَى الضِّدِّ-: مَحْمَلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -مَرْفُوعًا-: «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلاهَا».
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
يُقَالُ: مَارَى يُمَارِي مُمَارَاةً وَمِرَاءً، أَيْ: جَادَلَ، وَالْمِرَاءُ: اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادِلِ؛ مِنْ: مَرَيْت الشَّاةَ: اسْتَخْرَجْت لَبَنَهَا.
وَفِي «الْوَاضِحِ»: وَاحْذَر الْكَلامَ فِي مَجَالِسِ الْخَوْفِ -أَوْ الَّتِي لا إنْصَافَ فِيهَا-، وَكَلامَ مَنْ تَخَافُهُ، أَوْ تَبْغُضُهُ، أَوْ لا يَفْهَمُ عَنْك، وَاسْتِصْغَارَ الْخَصْمِ.
وَلا يَنْبَغِي كَلامُ مَنْ عَادَتُهُ ظُلْمُ خَصْمِهِ، وَالْهُزْءُ، وَالتَّشَفِّي لِعَدَاوَتِهِ، وَالْمُتَرَصِّدُ لِلْمَسَاوِئِ، وَالتَّحْرِيفُ، وَالتَّزَيُّدُ، وَالْبَهْتُ.
وَكُلُّ جَدَلٍ وَقَعَ فِيهِ ظُلْمُ الْخَصْمِ اخْتَلَّ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ مِنْهُ.
وَقَدِّرْ فِي نَفْسِك الصَّبْرَ وَالْحِلْمَ؛ وَلا يُنْقَضُ بِالْحِلْمِ إلاّ عِنْدَ جَاهِلٍ، وَلا بِالصَّبْرِ عَلَى شَغَبِ السَّائِلِ إلاّ عِنْدَ غَبِيٍّ؛ وَتَرْتَفِعُ فِي نُفُوسِ الْعُلَمَاءِ، وَتَنْبُلُ عِنْدَ أَهْلِ الْجَدَلِ.
وَمَنْ خَاضَ فِي الشَّغَبِ تَعَوَّدَهُ، وَمَنْ تَعَوَّدَهُ حُرِمَ الإصَابَةَ، وَاسْتُدْرِجَ إلَيْهِ، وَمَنْ عُرِفَ بِهِ سَقَطَ سُقُوطَ الذَّرَّةِ!
وَفِي رَدِّ الْغَضَبِ: الظَّفَرُ.
وَلا رَأْيَ لِغَضْبَانَ.
وَالْغَالِبُ فِي السَّفَهِ: الأسْفَهُ، كَالْغَالِبِ بِالْعِلْمِ: الأعْلَمُ.
وَمَعَ هَذَا؛ فَلا أَحَدَ يَسْلَمُ مِنْ (الانْقِطَاعِ) -إلاّ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ-...
وَأَدَبُ الْجَدَلِ يَزِينُ صَاحِبَهُ، وَتَرْكُهُ يَشِينُهُ.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ لِمَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ حَظْوَةٍ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَفِيعًا عِنْدَ الْجُهَّالِ: فَهُوَ سَاقِطٌ عِنْدَ أُولِي الألْبَابِ» [وانظُر: «أصول الفقه» (3/1423) -لابنِ مُفلح، و«الواضح» (1/510) -لابنِ عَقِيل-].
قلتُ:
فهذه كلماتٌ غُرَر، وعباراتٌ دُرَر ...
لا تَسْمُنُ إلاّ عند أُولي النَّظَرِ، دون ذوي الريب والضّرَر!!
السابع: «أهميَّةُ الردِّ على المُخالف» مركوزةٌ في قُلوبِ دُعاة السُّنَّة، وحَمَلَةِ منهج السَّلَفِ؛ لِما يتضمَّنَهُ الردُّ «مِن ثِمار» عظيمة، حافظتْ على منهج السَّلَفِ مِن كيدِ الكائدِين، وجهْلِ الجاهلين..
ويكفي في تأصيل هذا الأُسِّ المهمّ: قولُ النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: «يحملُ هذا العلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ؛ ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالِين، وانتحالَ المُبْطِلِين، وتأويل الجاهلين» [حديثٌ حسنٌ]:
فالنَّفيُ -هُنا-: النقضُ والرَّدُّ.
وهو العلمُ العالي، المُوَجَّهُ بسيفِ الحقّ إلى:
- تحريفِ كُلِّ غالٍ؛ يدفعُه غُلُوُّهُ إلى الظُّلْمِ ومجاوزةِ الحَدِّ.
- وانْتِحالِ كُلِّ مُبطِل: يَؤُزُّهُ باطلُهُ إلى ردِّ الحقِّ بالتسلُّق الفاسِد...
- وتأويل كُلِّ جاهلٍ: يَرمِي به جهلُهُ في مهامِهِ الدّعاوى الغبيَّةِ الفارغة...
ولكنَّ العِبْرَةَ -كُلَّ العبرةِ- في ضبطِ وُجوهِ هذا الردِّ -إذا كان موجَّهاً إلى سُنِّيٍّ، سَلَفِيٍّ-: بالعِلم والبصيرةِ، وبالحِلم والأَناة، وبالرِّفْقِ واللِّين...
نَعَمْ؛ قد يُغْلَظُ على (المبتدِع) الذي ذَرَّ قرنُ بدعتِه، ولا رجاءَ لشفائِه...
فـ:
... إلى حيث ألْقَتْ رحلَها أُمُّ قَشْعَمِ!!
وإنَّما الكلام -بالالتزام- مُوَجَّهٌ لأهلِ السُّنَّةِ الكِرام -بينهم- دون خَصْمٍ ولا تشغيبٍ، ولا اتِّهام -بل ولا إلْزام-...
الثامِن: بين الخطأ والعصمة -وما (الكبير) في العلم-؟:
قال فضيلة الشيخُ ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- في «بيان فساد المعيار» (ص24):
«أنا لم أدّعِ العصمةَ والكمال في شَيْءٍ من أعمالي العلمية -ولا غيرها-.
ولا ادَّعى هذا أحدٌ مِن أهل العلم والعقل؛ فقد يقعُ العالِم في الأخطاء والمخالفات الكثيرة للكتاب والسُّنَّة، فضلاً عن الأخطاء اللغوية والإملائية ...
وقد يكون إماماً في فَنٍّ مِن الفنون، فَتُوجد له كبوات في فنه؛ فهذا سيبويه إمام في اللغة قد استدرك عليه ابن تيمية ثمانين خطأً.
وكم مِن فقيه له أخطاؤه؟!
وكم مِن محدِّث ومفسِّر لهم أخطاؤهم الكثيرة!!؟
وكل هذه الأخطاء لا تضرُّ أصحابَها، ولا تحطُّ مِن مكانتهم؛ إذ لا يحطُّ مِن مكانة الرَّجل إلا ارتكابُ الكبائر، أو اقتحامُ البدع، وعداءُ أهل السُّنَّة.
هذا هو منهج أهل السُّنَّة والجماعة.
أمَّا أهلُ البدع -لا سيَّما الحاقدون منهم- فإنَّهم -لحرصهم على إسقاط أهل السُّنَّة- يفرحون بمثل هذه السقطات التي لا يسلَمُ منها أحد! ظناً منهم أنهم قد ظفروا بما يحلمون به ويتمنّونه؛ انتقاماً لسادتهم الذين خرجوا عن منهج أهل السُّنَّة -عقيدة وشريعة- مُتَعمِّدين لكثير مما خرجوا عنه.
فإذا ظفروا بشيء مِن الهفوات -التي لا تضرُّ- جعلوها في مصافِّ البدع الكبرى! وصوَّروها في صور الموبقات المهلكات!!!!
تلك الأخطاء التي يقع في أكثرَ منها بعضُ الأئمَّة -ولا تضرُّهم-، فطار المساكين بها فَرَحاً، وضخّموها، وهوّلوا عليها بالعناوين الضخمة التي يصدُقُ عليها المَثل: (يبنون مِن الحَبّة قُبَّة)!
جاهلين أنهم ينادون على أنفسهم بهذا الأسلوب بأنهم أجهلُ النَّاس بمنهج (أهل السُّنَّة والجماعة) في الفَرق بين (ما يُسقِط) و(ما لا يُسقِط)!».
وقال -حفظه الله- في «النقد منهج شرعي»:
«وكتبي هذه: خذوها واقرأوها، وأنا لا أقول لكم: إنَّ كلَّ ما فيها صواب لا بُدّ!
وأؤكد لكم أن فيها أخطاءً.
قال أحدُهم -مرةً-: فلان يريدُ أن يناقشَك؟
قلت: فلْيسرع قبل أن أموت يُبَيّن أخطائي.
وأنا أرجوكم؛ اذهبوا وترجَّوْا (سلمان) و(سفر) كلَّهم: يجمعوا كتبي، ويُناقشوها، ويبينوا الحقَّ فيها؛ حتى أتوبَ منها قبل موتي.
ما نغضبُ مِن النَّقد أبداً، واللهِ نفرح.
وأنا أحمِّلُ كلاً منكم المسؤوليَّة: يذهب إليهم ليأخذوا كتبي ويناقشوها، والذي يَطْلَع بخطأ أقول له: جزاك الله خيراً، وأُرسل لهم جوائز، وإذا عجزتُ أدعو لهم.
واللهِ ما نخافُ مِن النَّقد؛ لأننا لسنا معصومين...
وأستغفر اللهَ العظيمَ، مَنْ نحن حتى نقول: لسنا بمعصومين؟!
هذا يقال للصحابة والأئمة (الكبار)؛ أما نحن - والعياذ بالله - فالزللُ والأخطاء الكبيرة مُتَوَقَّعةٌ منّا..
فأنا أرجو أن يأخذوا كتبي هذه، وينتقدوها: في الصفحةِ الفلانيةِ قلتَ كذا؛ وهو غلطٌ! واستدلالك غلطٌ من الوجه الفلاني، والوجه الفلاني! والحديث الفلاني أخطأتَ في الاستدلال به! والحديثُ نقلتَه غلط!
هيا -يا أخي- تفضَّل؛ لماذا تغضبون وتُعلِّمون النَّاسَ التَّعصُّبَ والهوى والجهلَ والهمجية والفوضى؟!
لماذا تُدَمِّرون عقولَ الشَّبابِ بهذه العصبيَّةِ العمياءِ؟!
هل في يوم من الأيام تعصَّبَ أناسٌ للشافعيِّ ومالكٍ مثلَ هذا التَّعصُّب؟
هذا التَّعصُّب لا نعرفُه إلا من الروافض! يعني: يُرْفَعُ الرجلُ إلى درجة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ما يُنتقد!
أنا أسمعُ من بعض الناس أنه يقول : نحن نفرح بالنقدِ، ونرحب بالنقد، لكن -والله- إنه يموت من النقد، والناس يموتون وراءه، لماذا تنتقده؟!
لهذا رأينا كُلَّ ما وَجَّهْنَاهُ من نقد إلى أخطائهم لا يتراجعون عنها -أبداً-، لا هم ولا أتباعُهم، يعني: كأن دينَنا غيرُ دينهم! كأنَّ عندنا ديناً غيرَ الدين الذي عرفوه!
يا أخي؛ أليس تقولون: إن منهجكم سلفيٌّ، وأنكم تدعون إلى الكتاب والسنة! ما معنى الدعوة إلى الكتاب والسنة؟!
أن ننقد أخطاءَ الناسِ -كلِّهم-.
وليس معناها: أن نجمع أخطاءكَ، ونقول: الكتاب والسنة!
أخطاؤك أنت وفلان وفلان من الشباب الذين ما نضجوا، ولا عرفوا العلمَ.
لهذا تجدُ الأشرطةَ مليئةً بالأخطاء، والكتب مليئة بالأخطاء؛ فكر سيد قطب والبنا والمودودي -كلُّها- مسيطرةٌ على كتاباتهم، وهي ضلالاتٌ وبدعٌ؛ لأنهم كثيراً ما ينطلقون إلا من مشرب هؤلاء.
ولا بد أن يكون هناك أخطاءٌ كبيرةٌ جسيمةٌ.
فإذا كانوا صادقين وقعوا في هذه الأخطاء من حيث لا يدرون! ويظنُّون أن المودودي والبنا على حق! ثم تبين لهم أن هؤلاء مبتدعةٌ أهلُ ضلال.
تبيَّن لهم بالنقد -منَّا أو من غيرنا- أن هؤلاء أهلُ ضلالٍ، وأهلُ هوىً، فلا يجوزُ الاعتمادُ على كتبِهِم، ولا على فكرهم، ولا على مناهجِهم -أبداً-؛ لأن ما عندهم علمٌ، أهلُ ضلالٍ وبدعٍ.
فأنت -يا أخي- نشأت في بلاد التوحيد وبلاد السنة، وبلاد ميَّزها اللهُ -تبارك وتعالى-، وارتفعت فيها رايةُ التوحيد والسنة، ومنار الإسلام فيها واضحٌ عالٍ، وأمات اللهُ فيها البدعَ وأذلَّ أهلَها، وأرغمَ أنوفَهم في التراب.
فهذه نعمةٌ من الله يجب أن تشكرَها، وأن تعكُفَ على هذا المنهج، وعلى هذا التراث العظيم، وتنهلَ منه، وتُقَدِّم للأمة من هذا.
وفي نفس الوقت -أيضاً- هذا المنهجُ منهجُ حقٍّ، لكن الأئمةَ والعلماءَ الذين كتبوا ومنهجُهم صحيحٌ قد يكون لهم أخطاءٌ، فابنُ تيميَّة لو كان عنده خطأٌ -والله- لا نقبلُه؛ ابن تيميَّة، وابن القيم، وابن عبد الوهاب، وابن باز -وغيرهم-: إذا عندهم أخطاءٌ نعرضُها على كتاب الله وسنة الرسول -على المنهج السلفي-، ونقول: هذا خطأ -وجزاك الله خيراً-.
لا ذمٌّ، لا طعن، لا تجريح، لا تشهير، لكنْ: بيانٌ للناس أن هذا الكلامَ يتنافى مع الأصل الفلاني، ومع النص الفلاني -بغايةِ الأدبِ وبغايةِ الاحترام -.
كما يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيميَّة وابن رجب -وغيرهما-: إِن هؤلاء نناقشُ أقوالهَم باحترام وبأدب ومقاصد حسنةَ.
والمراد: البيان».
أقولُ: وهذا التأصيل الجميل -الجليل- يدفعُنا لتحقيق مسألةٍ تتصلُ به -جدًّا-؛ وهي:
التاسع: ميزان الخطأ والصواب -عند أُولي الألباب-.
لا يكادُ عَجَبِي ينقضِي مِن أُناسٍ لم تنضبطْ عندهم -إلى هذه الساعةِ- القواعدُ العلميَّةُ المقرَّرَةُ عند العلماء، والمحرَّرَة عند الكبراء؛ والتي مِن أهمِّها: كيف نعرف الخطأ؟!
وبم نعرف الخطأ؟!
وأنَّهُ لا صِلَةَ مباشرةً لهذا -ولا لذاك- بمجرَّد زمان أو (أوزان)، أو مكان أو (أثمان)، أو أعيان أو (طُغيان)؛ فـ:
«الأصلُ أَلاَّ يُرَدَّ الكَلاَمُ بِالأَشْخَاص، بَلْ يُقْبَلُ الكَلاَمُ وَيُرَدُّ بِحَسْبِ مُوافَقَتِهِ لِلحَقِّ؛ أَوْ مُخالَفَتِهِ لَهُ؛ فَإِن وَافَقَ الحَقَّ قَبِلْنَاه، وَإِنْ خَالَفَ الحَقَّ رَدَدْنَاه.
أَمَّا أَنْ يُرَدَّ الكَلاَمُ عَلَى قَائِلِهِ لِمُجَرَّدِ أَنَّ قَائِلَهُ لَيْسَ مِنَ العُلَمَاءِ الكِبَار: فَلا()؛ لِمُخالَفَتِهِ الأَصْلَ، وَهُو أَنَّ الحَقَّ لاَ يُعْرَفُ بِالرِّجَال.
ثُمَّ؛ إنَّ كَوْنَ القائِلِ مِنَ العُلَمَاءِ الكِبَار: لاَ يَعْنَي أَنَّ كُلَّ كَلاَمِهِ حَقّ، وَكَذَا كَوْنُهُ مِنَ المَشَايِخِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إِلَى دَرَجَةِ العُلَمَاءِ الكِبَار: لاَ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ كَلاَمِهِ بَاطِل.
وَكَمَا جَاءَ عَنِ الإِمَام مَالِك -رَحِمَهُ الله-: «مَا مِنَّا إِلاَّ رادٌّ وَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبَ هَذا القَبْر».
فَعَادَ الأَمْرُ إِلى النَّظَرِ فِي دَلِيلِ هَذا القَائِل، وَمَدَى مُوافَقَتِهِ لِلحَقِّ أَوْ مُخالَفَتِه».
كما قالَهُ فضيلةُ أخينا الشيخ الدكتور أبي مالك (محمد) بن عمر بازمول -حفظهُ اللهُ ونَفَعَ به- في رسالتِه «عبارات مُوهمة» (ص54-55).
قلتُ:
وهو كلامٌ مستقيم يدفعُ كُلَّ هَذْرٍ سقيم...
فالحقُّ لا يُعْرَفُ -حَسْبُ- بالأسماء...
ولا بعدد المؤلَّفات...
ولا بالشهرة..
ولا بالسِّنِّ...
ولا بالإثارةِ..
ولا بالصوت...
ولا بالتشغيب!!
ومع تقدير كُلٍّ؛ فإنَّ الحقَّ -حقًّا- لا يُعْرَفُ إلا بدلائلِه، لا بقائلِه...
وقد قال العلاّمةُ المُفَسِّرُ محمدُ الأمين الشِّنْقِيطِيّ -رحمهُ اللهُ- في «أضواء البيان» (1/4):
«ونُرَجِّحُ ما ظهر لنا أنّه الراجح بالدليل مِن غيرِ تعصّبٍ لمذهبٍ معيَّن، ولا لقولِ قائلٍ معيّن؛ لأنَّنا ننظُر إلى ذات القول لا إلى قائلِه».
وقال العلاّمةُ السَّلَفِيّ صدِّيق حَسن خان في «أبجد العُلوم» (ص248):
«أكثر المقلِّدين ينظرون إلى حال القائل، وأمّا المحقِّقُ -الذي لا ينظُر إلى حال القائل-؛ فهو نادرٌ».
{وقليلٌ مِن عبادِيَ الشَّكُورُ}..
وعليه؛ فإنَّ الحفاظ على هذا الأصل الأصيل -إكباراً للعلم، وتقديراً لحملتِه- يلتقي -تماماً- تلك الصيحةَ الصادقةَ -إن شاء اللهُ-، التي أطلقها الأخ أبو عُمر (أحمد) بن عمر بازمول -سدَّدَهُ اللهُ-، لـمَّا قال -مُخاطباً إخوانَهُ السلفيِّين-:
«حافظوا على دينِكم، وعلى منهجِكم السلفيِّ، ولا تُكْثِرُوا الخُصوماتِ، فتنتقِلوا بين الأهواء».
... وإنَّها -واللهِ- لكلمةُ حقٍّ، ونصيحةُ صدقٍ..
فجزى اللهُ صاحبَها خيراً، ووقاهُ شرًّا وضُرًّا...
أقولُ: إنَّ ميزان معرفة الخطأ والصواب -والذي به يُحافِظُ السلفيُّون على دينِهم وعلى منهجِهم السلفيّ دون تكثير للخصومات، وتنقُّلٍ بين الأهواء- قائمٌ على الانتصار للدليل، ولا على مُصادرةِ المُخالف، وكَتْمِ أنفاسِه!
قائمٌ على البيِّنةِ والحُجَّةِ؛ لا على الإرهاب الفكري!
قائمٌ على التواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر؛ لا على التعصُّبِ والقَمْع!
قائمٌ على التناصُح في الدِّين؛ لا على التحزُّبِ الفاسِد!
قال العلاّمةُ الشَّوكانِيُّ في «أدب الطلب» (ص122):
«فإنَّ المجتهدَ هو الذي لا ينظُرُ إلى مَن قال، بل إلى ما قال؛ فإن وجد نفسَه تُنازعُهُ إلى الدخول في قول الأكثرين -والخروج عن قول الأقلِّين- إلى مُتابعةِ مَن له جلالةُ قَدْر، ونبالةُ ذِكْر، وسَعَةُ دائرةِ علمٍ؛ لا لأمرٍ سِوى ذلك: فلْيَعْلَمْ أنَّهُ بقي فيه عِرْقٌ مِن عُروقِ العصبيَّةِ، وشُعْبَةً مِن شُعَبِ التقليد، وأنَّهُ لمْ يُوَفّ الاجتهادَ حقَّهُ».
وما أجملَ ما قالهُ سماحةُ أُستاذنا الشيخ ابن عثيمين -رحمهُ اللهُ- في «شرح رياض الصالحين» (ص477) -أثناء شرحِه لحديث «الدين النصيحة» -الذي رواه مسلم-:
«ومِن النُّصحِ -أيضاً- لعُلماء المسلمين أنْ لا يتتبَّعَ الإنسانُ عوراتِهم وزلاتِهم، وما يُخطئون فيه، لأنهم غيرُ معصومين؛ قد يزِلُّون، وقد يُخطئون، و«كُلُّ ابن آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوابون».
ولا سيَّما مَن يتلَقَّى العلمَ؛ فإنه يجبُ أنْ يكونَ أبلغَ الناس في تحمُّلِ الأخطاء التي يُخطئ بها شيخُه، ويُنَبِّهُهُ عليها؛ فكم مِن إنسانٍ انْتَفَعَ مِن تلاميذِهِ، يُنَبِّهونَهُ على بعضِ الشيء؛ على الخطأ العلميّ، أو على الخطأ العمليِّ، وعلى أخطاءٍ كثيرةٍ؛ لأن الإنسان بشرٌ!».
قلتُ:
فلمْ يجعلْ -رحمهُ اللهُ- محضَ الصوابَ خاصًّا بالشيخ، ولا عينَ الخطأ لاصقاً بالتلميذ!
فالحقُّ (أكبرُ) مِن الجميع..
ولا (كبيرَ) مع العلمِ إلا العلم..
وكم مِن مغمورٍ فاق مشهوراً! وكم من صغيرٍ صوَّب كبيراً!!
وفي التاريخ عبرةٌ:
* قال العلاّمةُ أبو بكر ابن العربيّ المالكيّ -المتوفَّى سنة (543هـ) في كتابِه «أحكام القرآن» (1/182):
أخبرني محمد بن قاسم العُثْماني -غير مرة-:
«وصلتُ الفُسطاط مرةً، فجئتُ مجلسَ الشيخ أبي الفضل الجوهري، وحضرتُ كلامَه على الناس، فكان مما قال -في أول مجلس جلستُ إليه-:
إن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- طلَّق وظاهرَ وآلَى! فلمَّا خرج تَبِعْتُهُ، حتى بلغتُ معه إلى منزله في جماعةٍ، فجلس معنا في الدِّهْليز، وعرَّفهم أمري؛ فإنه رأى إشارةَ الغُربَة، ولم يعرف الشخصَ قبل ذلك في الوارِدين عليه!
فلمَّا انفضَّ عنه أكثرُهُم، قال لي: أراكَ غريباً، هل لك من كلام؟! قلتُ: نعم، قال لجلسائه: اِفْرِجُوا له عن كلامِه.
فقاموا، وبقيتُ وحدي معه، فقلتُ له: حضرتُ المجلسَ -اليومَ- مُتَبَرِّكاً (!) بك، وسمعتُك تقول: آلَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وصَدَقْتَ، و:طلّق رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وصدَقْتَ، وقُلْتَ: وظاهرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا لم يكن! ولا يصح أن يكون!! لأنَّ الظِّهار مُنكر من القول وزورٌ؛ وذلك لا يجوزُ أنْ يقعَ مِن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فضمَّني إلى نفسِه، وقبَّل رأسي، وقال لي: أنا تائبٌ مِن ذلك، جزاك الله عنِّي مِن مُعَلِّمٍ خيراً.
ثُمَّ انقلبتُ عنه، وبكَّرْتُ إلى مجلسِه في اليوم الثاني، فألْفَيْتُهُ قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر، فلما دخلتُ مِن باب الجامع، ورآني. نادَى بأعلى صوتِه: مَرْحباً بمعلِّمي؛ أفْسِحُوا لمعلِّمي، فتطاولَتِ الأعناقُ إليَّ، وحدَّقَتِ الأبصارُ نحوي، وتعرفني -يا أبا بكر! -يشير إلى عظيم حيائِه، فإنه كان إذا سلَّم عليه أحدٌ -أو فاجأه- خَجِلَ لعظيمِ حيائِه، واحمرَّ حتَّى كأن وجهه طُلِيَ بجُلَّنَار-.
قال: وتبادرَ الناسُ إليَّ يرفعونني على الأيدي، ويتدافعوني حتى بلغتُ المنبر، وأنا لِعِظَمِ الحياء لا أعرفُ في أيّ بُقعة أنا من الأرض! والجامعُ غاصٌّ بأهلِه، وأَسَالَ الحياءُ بدَنِي عَرَقاً، وأقبل الشيخُ على الخَلْق، فقال لهم: أنا معلِّمُكم، وهذا معلّمي؛ لَـمَّا كان بالأمس قُلْتُ لكم: آلَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وطلّق، وظاهر؛ فما كان أحدٌ منكم فَقِهَ عني ولا ردَّ عليَّ، فاتَّبَعني إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا -وأعاد ما جرى بيني وبينه-، وأنا تائبٌ عن قَوْلِي بالأمس، وراجِعٌ عنه إلى الحقّ؛ فمن سمعه ممّن حضر فلا يعوِّل عليه، ومَن غاب فلْيُبَلِّغه مَن حضر؛ فجزاهُ اللهُ خيراً؛ وجعل يَحْفِلُ في الدُّعاء، والخلْقُ يؤمِّنون».
ثم قال العلاّمةُ ابنُ العربيّ -معلِّقاً-:
(فانظروا -رحمكم اللهُ- إلى هذا الدِّين المَتين، والاعتراف بالعِلم لأهلِه على رءوس الملإِ مِن رجلٍ ظهرَتْ رياستُهُ، واشتهرتْ نفاستُه، لغريب مجهول العَيْن، لا يُعْرَف مَن؟ ولا مِن أين؟
فاقتدوا به تَرْشُدُوا).
* قال الخطيبُ البغداديُّ في «تاريخِه» (4/301): حكى أبو الحسن الدارقُطْنِيّ أنَّه حَضَرَ العلاّمةَ اللغويَّ أبا بكر الأنباريّ في مجلس أملاه يوم جُمُعة، فصحَّفَ اسماً أوردهُ في إسنادِ حديثٍ -إما كان (حبان)، فقال: (حيان)، أو (حيان)، فقال: (حبان)-.
قال أبو الحسن: فأعظمتُ أنْ يُحْمَلَ عن مثلِه في فَضْلِه وجلالتِه وَهْمٌ، وهِبْتُهُ أن أُوقفَهُ على ذلك، فلما انْقَضَى الإملاء، تقدَّمْتُ إلى المستملي، وذكرتُ له وَهْمَهُ، وعرَّفْتُهُ صواب القولِ فيه، وانصرفتُ، ثم حضرتُ الجُمُعَة الثانية مجلسه، فقال أبو بكر للمُستملي: عرِّف جماعة الحاضرين أنا صَحَّفْنا الاسم الفُلاني لما أملينا حديث كذا في الجُمُعة الماضية، ونبَّهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرِّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل، فوجدناه كما قال.
قلتُ:
ففي الخبرِ الأولِ: مغمورٌ يردُّ على مشهور...
وفي الخبر الثاني: صغيرٌ يردُّ على كبير..
والذي جعل هذيْن -في هذيْن- خيراً مِن هذيْن: أنوارُ الدليل، وبُرهانُ الحُجَّة -دون أيِّ تزيُّداتٍ -أو مُزايداتٍ أُخرى-!
أمَّا تراشُقُ التُّهَم -قدحاً-، والتطاوُلُ للتزكيات -مدحاً-: فهذان أمران قلَّ أن يخلُوَ منهما زمانٌ أو مكان، في أشخاص أو أعيان، أو مذاهبَ أو أفكار...
ولا نافعَ -على الحقيقةِ- في هذا كُلِّه- إلاّ قُوَّة الدليل، ونصاعةُ الحُجَّة، وثُبوت البُرهان:
رَوَى الحافظُ أبو نُعَيْم في «حِلية الأولياء» (6/321).
عن مُطَرِّف بنِ عبد الله: قال لي مالكٌ:
ما يقولُ الناسُ فيِّ؟
قلتُ: أمَّا الصديقُ فيُثْنِي، وأمَّا العَدُوُّ فيَقَعُ!
فقال: ما زال الناسُ كذلك، ولكن: نعوذُ باللهِ مِن تتابُعِ الألسنةِ كُلِّها.
قلتُ:
ولولا ما حَفِظْتُهُ عن والدي -رحمهُ اللهُ- قديماً- وهو مِن عامَّة المسلمين!- مِن قولِه الحكيم: «الإنسان بحقِّ نفسِه ضعيفٌ»: لكَشَفْتُ ما وراء هذه الكلمة (المالكيَّة) العظيمة، مما قد يخْفَى -أو يُعْرَف-:
أمَّا في الحياة:
فالخلقُ لا يُرجى اجتماعُ قلوبِـهم
لا بُـدَّ مِن مُثْـنٍ عليـكَ وقـالي
وأمَّا بعد الممات:
إذا مِتُّ كان الناسُ صنفَيْن شامتٌ
وآخَرُ مُثْنٍ بالذي كـنتُ أصنـعُ
ولعلَّ ممَّا يجمعُ ما سَبَقَ -كُلَّهُ-: قولَ الإمام ربيعةَ -شيخ الإمام مالك- كما علَّقه الإمامُ البخاريُّ في «صحيحِه» (1/42):
«لا ينبغي لأحدٍ عنده (شيءٌ) مِن العلم أن يُضَيِّعَ نفسَه»..
فلمْ يجعلْ -رحمهُ اللهُ- هذا (العلمَ) مرتبطاً بقَدْرٍ ما -قلَّةً أو كثرةً-!
ولا بسنٍّ -صِغَراً أو كِبَراً-.
ولا بتآليفَ -عدداً أو عِدَّةً-!
ولا بشُهرةٍ -وجوداً أو عدماً-!
ولا بعددِ أتباعٍ -وَفْرَةً ونُدْرَةً-!
فالعلمُ هو (العلمُ)..
والحقُّ هو (الحقُّ)..
والدليل هو (الدليل)..
والبُرهانُ هو (البُرهان)..
وربُّ العالمين يقولُ: {قُل هاتُوا بُرهانَكم إنْ كنتُم صادقين}:
فلمْ يُمَيِّز -سبحانَه وتعالى- بين إنسانٍ وآخَر -أو وصفٍ وثانٍ- في ظُهورِ الصدق؛ وإنَّما جَعَلَ البُرهان -وحدَه- هو الحُجَّة، وهو النُّور المُستبِين، الهادي الصادقين..
وهذا -نفسُه- ما قرَّرَهُ شيخُ الإسلامِ، وعَلَمُ الأعلام، الإمامُ الهُمام أبو العبّاس ابن تيميَّة -رحمهُ اللهُ- بقولِه -كما في «مجموع الفتاوى» (5/101)-:
«الحقُّ يُقْبَلُ مِن كُلِّ مَن تَكَلَّمَ به».
وقال -رحمهُ اللهُ- في «منهاج السُّنَّة» (1/56):
«والقولُ الحقُّ -الذي يقومُ عليه الدليلُ -يُقْبَلُ مِن كُلِّ مَن قاله -وإنْ لم يُقْبَل بِمُجَرَّدِ إخبار المُخبِرِ به».
وهذا هُو (ميزان) دعوتنا السلفية المباركة..
شاءَ مَن شاءَ، وأبَى مَن أبَى!
{واللهُ يقولُ الحقَّ وهو يهدي السَّبِيلَ}.
العاشر: «السلفيَّة هي: اتِّباعُ منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ؛ لأنهم هم الذين سلفونا، وتقدَّمونا، وتقدّموا علينا، فاتِّبَاعُهم هو السلفيةُ.
وأما اتِّخاذُ السلفيَّة كمنهج خاصّ ينفردُ به الإنسانُ، ويضلِّلُ مَن خالفه مِن المسلمين -ولو كانوا على حقٍّ-! واتخاذُ السلفية كمنهج حزبي-: فلا شكَّ أن هذا خلافُ السلفيَّة!!
السلف كلهم يَدْعون إلى الإسلام، والالتئام حول كتاب الله، وسنَّة رسوله -صلى الله عليه وآله سلم-، ولا يُضلِّلون مَن خالفهم عن تأويل ، اللهم إلا في العقائد()، فإنهم يرون أن من خالف فيها فهو ضالٌّ.
أما المسائل العمليات: فإنهم يُخَفِّفُون فيها كثيراً.
لكنَّ بعضَ من انتهج السلفيَّة في عصرنا -هذا-: صار يُضلِّل كُلَّ من خالفه -ولو كان الحقُّ معه-.
واتَّخذها بعضُهم منهجاً حزبيّاً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام، وهذا هو الذي يُنكَر، ولا يُمكن إقراره.
ويقال:
انظروا إلى مذهب السلف الصالح؛ ماذا يفعلون في منهجهم، وفي سَعَة صدورهم للخلاف الذي يَسُوغُ فيه الاجتهاد، حتى إنهم كانوا يختلفون في مسائلَ كبيرة ، في مسائلَ عقديَّة، وفي مسائلَ عمليَّة؟!
فتجدُ بعضَهم -مثلاً- يُنكر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأى ربَّه، وبعضَهم يقرُّ بذلك.
وبعضَهم يقول : إن الذي يُوزن يوم القيامة هي الأعمال، وبعضَهم يرى أن صحائف الأعمال هي التي تُوزن.
وتراهم -أيضاً- في مسائل الفقه -يختلفون كثيراً؛ في النكاح، في الفرائض، في العِدَد ، في البيوع -في غيرها-.
ومع ذلك: لا يُضلِّل بعضُهم بعضاً.
فالسلفيَّة -بمعنى أن تكون حزباً خاصّاً له مميزاتُهُ، ويُضلِّل من سواهم-؛ نقول: هؤلاء ليسوا من السلفيَّة في شيء!
السلفية: اتّباعُ منهجِ السلفِ -عقيدةً وقولاً وعملاً، وائتلافاً واتفاقاً، وتراحُماً وتوادًّا -كما قال النبيُّ -عليه الصلاة والسلام-: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتعاطفهم وتراحُمهم كمثل الجسد الواحد- إذا اشتكى منه عُضوٌ تَداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسهر» [مُتَّفَقٌ عليه]».
وأقولُ -مُبادراً- على عَجَلٍ!-:
.. لا تَعْجَلْ - أُخَيَّ-، ولا تستعجِلْ، ولا أقولُ: لا تَشْغَبْ، ولا تُشَغِّبْ!!
فهذا الكلامُ ليسَ مِن إنشائي، ولا هُو مِن إملائي!!
إنَّما هو كلامُ سماحةِ أُستاذِنا العلاّمةِ الفقيهِ الشيخ محمد بن صالح العُثيمين -رحمهُ اللهُ-تعالى- في «اللقاء المفتوح» (رقم:57).
فافْهَمْهُ واسْتَوْعِبْه، واحْذَرْ وتنبَّه...
... وبهذا الكلامِ العالي أُزَيِّنُ مقالي -مُرَدِّداً مع الشاعرِ قولَه الغالي-:
وأُعْرِضُ عن أشياءَ لو شئتُ قُلْتُها
ولو قُلْتُها لمْ أُبْقِ للصُّلْحِ موضِعا...
وقولَ الآخَرِ -على التوالي-:
مِن الظُّلْمِ (تشغيبُ) امرئٍ غير منصفٍ
وما بامرئٍ لم يظلمِ الناسَ مِن باس...
.. مع الرجاءِ -كُلِّه-: أنْ يكونَ على وَفْقِ هذا الحقِّ فِعالي...
قلتُ:
وللعُمُرِ -في هذا كُلِّهِ- أَثَرٌ وعِبْرَة -قِلَّةً وكثرة-:
فقد قال عبدُ الله بن أحمد: سمعتُ أبا مالك، قال: قال حسين بن حبَّان وعباس ليحيى بن معين: لو أمسكتَ لسانكَ عن النَّاس! فإنَّ أحمد يَتوقَّى ذلك؟!
فقال: هو واللهِ كان أشدَّ في الكلامِ في الرِّجالِ مِنِّي، ولكنَّه -اليومَ- هو ذا يُمسك نفسَه. [«العلل» (696)].
وفي أغلبِ الظَّنِّ أنَّ هذا التوجيهَ -الوجيهَ- كان في أواخِرِ عُمر الإمام يحيى؛ فابنُ مَعين -(المولودُ سنة 158هـ)- أَسَنُّ مِن أحمد - (المولود سنةَ 164هـ)، وقد ماتَ الأوَّلُ -أوَّلاً- عن خمس وسبعين سنة، ثُمَّ ماتَ الآخَرُ -بعده- عن سبعٍ وسبعين سنةً..
رحمهُما المولى-سبحانه-.
... أقولُ هذا وأنا على أبوابِ العِقد السادس مِن عُمري؛ أفْنَيْتُ نحوَ ثُلُثَيْهَا -بحمدِ الله ومِنَّتِهِ- في العلمِ، وبين أهل العلمِ -مِن عُلماء السَّلَفِ وأئمة العقيدة-؛ لم أتَلَبَّس بحزبيَّة، ولم أتلوَّث بمناهجَ وافدة، ولم أتأثَّر بقالٍ أو قيل، ولم (أتنقَّل) بين أفكار-:
ولقد قضيتُ نحوَ رُبع قرن بصُحبةِ ومُلازمة شيخنا الإمام العلاّمة أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني -رحمهُ الله- إلى ما قبل يومَيْنِ مِن وفاتِه -تغمَّده اللهُ برحمته-.
وأمضيتُ أكثرَ مِن ذلك -سنواتٍ- في زيارات متواصلةٍ، ولقاءات علميَّة بارَّةٍ مع فضيلة الشيخ ربيع بن هادي، وفضيلة الشيخ عبد المُحسن العبَّاد -حفظهُما المولى-.
عَدَا لقاءاتِنا وتواصُلَنا مع أستاذَيْنا الفاضلَيْنِ، الشيخَيْن الجليلَيْن-: سماحة الشيخ ابن باز، وسماحة الشيخ ابن عثيمين، وشيخَيْنَا الفاضلَيْن وأُستاذَيْنا الجليلَيْن: فضيلة الشيخ حمَّاد الأنصاري -ولي منه إجازة-، وفضيلة الشيخ عُمر بن محمد فُلاّته -رحمَ اللهُ الجميعَ-.
.. فأين نحنُ مِن هؤلاء (الكُبراء) -بحقّ ولا مِراء، بصدقٍ لا امْتِراء-؟!
فاللهم ألْحِقْنَا بهم في الصالحين مِن عبادِك -غيرَ خزايا ولا ندامى، لا مُبَدِّلين، ولا مُغيِّرين..
اللهمُ يا مُقَلِّبَ القُلوب ثبِّت قلبي على دينِك..
اللهم أسألُك حُسنَ الخِتام، والوفاةَ على السُّنَّةِ والإسلام...
وأخيراً؛ رحمَ اللهُ مَن قالَ:
«المجالسة للمُناصَحة: فتحُ باب الفائدة، والمُجالسة للمُناظرة: غَلْقُ بابِ الفائدة» [«شرح الكوكب المنير» (4/366)، «الإبانة الكُبرى» (2/548) -لابنِ بطّة-، و«الآداب الشرعية» (1/224) -لابن مفلح-].
وبخاصَّةٍ أنَّهُ: «لا يصحُّ الجَدَلُ مع المُوافقَةِ في المذهب؛ إلاَّ أنْ يتكلَّما على طريق المُباحَثَة» [«شرح الكوكب المنير» (4/374)].
وكُلُّنا -بحمدِ الله وتوفيقِه- على منهج السلف ثابتون، ولأنوارِه داعون، وبأُصولِه مُلتزمُون، ولأخلاق أهلِه (راجُون)...
ورَحِمَ اللهُ الإمامَ ابنَ رجبٍ الحنبليَّ -القائلَ- كما في «جامع العلوم والحِكَم» (ص289)-:
«وها هُنا أمرٌ (خَفِيٌّ) -ينبغي التفطُّنُ له-، وهو:
أنَّ كثيراً مِن أئمة الدِّين قد يقولُ قولاً مرجوحاً، ويكون مجتهداً فيه، مأجوراً على اجتهادِه فيه، موضوعاً عنه خطؤُهُ فيه، ولا يكون المنتصرُ لمقالتِه -تلك- بمنـزلتِه في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصرُ لهذا القول إلاّ لكونِ متبوعِه قد قاله! بحيث إنّه لو قاله غيرُه مِن أئمة الدِّين لَـمَا قبله! ولا انتصر له! ولا والى مَن وافقَه! ولا عادَى مَن خالفه!
وهو -مع هذا- يظنُّ أنّه إنّما انتصر للحقِّ -بمنـزلةِ متبوعِهِ-!!
وليس كذلك؛ فإن متبوعهُ إنما كان قصدُهُ الانتصارَ للحقِّ -وإن أخطأ في اجتهادِه-؛ وأمَّا هذا التَّابعُ؛ فقد شاب انتصارَهُ لِـمَا يظنُّهُ الحقَّ إرادةُ عُلُوِّ متبوعِه! وظُهورِ كلمتِه! وأن لا يُنْسَبَ إلى الخطإ!!
وهذه دَسيسةٌ تقدحُ في قصدِ الانتصارِ للحقِّ.
فافْهَمْ هذا: فإنَّهُ مُهِمٌّ عظيمٌ، واللهُ يهدي مَن يشاءُ إلى صراطٍ مُستقيم».
.. فهلاَّ كانت هذه الأُصولُ العلميَّةُ السلفيةُ -وهي حقٌّ ظاهرٌ- وثيقةً أخويَّةً أمينةً؛ تُعيدُ اللُّحْمَةَ إلى البناءِ السلفيِّ المعمور، وتجمع كَلِمَتَهُم على قلبٍ بالحبِّ الصادقِ مغمور؟!!
(راجِياً ربِّي) -مِن صميمِ قَلْبِي- أنْ تكونَ كتابتي هذه -وغيرُها- على معنى قول القائل: «لسانٌ يُسَبِّحُ، وقلمٌ لا يُقَبِّحُ»...
خاتماً هذا المقال -الذي أسألُ ربِّي أنْ ينفعَ به- بكلمةٍ ذهبيَّةٍ لفضيلة الشيخ ربيع بن هادي -أيّدهُ اللهُ- في كتابِه «أهل الحديث هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية» (ص101)؛ قال:
«إنَّنِي أُوَجِّهُ نصيحةً مُخْلِصَةً للشَّبابِ المُسلم:
1- أن يكونَ مِن أولِ مزاياه: حبُّ الحقّ، والإلحاحُ في البحثِ عنه، ونصرتُه.
2- وأن يهدأ ويستريحَ مِن العيشِ في دوامةِ العواطفِ العمياء، والتعصُّب المَقِيت لهذا الشخص، أو ذاك، فإنَّ هذا الأسلوبَ يُدْخِلُهُ في عِداد مَن قال اللهُ فيهم:
{ولو عَلِمَ اللهُ فيهم خيراً لأسْمَعَهُم ولو أسْمَعَهُم لتَوَلَّوْا وهُم مُعرِضون}»...
... والله المُستعانُ، وعليه التُّكلان.
* * * * *